الأحد ,26 أكتوبر 2014
الشريط الإخباري
أنت هنا: الرئيسية / تحقيقات / المولدات الكهربائية في سورية بلا كفالة وتتسبب في ارتفاع الأسعار
المولدات الكهربائية في سورية بلا كفالة وتتسبب في ارتفاع الأسعار

المولدات الكهربائية في سورية بلا كفالة وتتسبب في ارتفاع الأسعار

وجد السوريون أنفسهم أمام أزمة جديدة زادت من عبء الأيام القاسية التي يمضونها منذ بدء الأحداث قبل نحو عام، تضاف لسلسلة أزماتهم وهي تقنين الكهرباء دون تقيّد ببرنامج محدّد، إضافة إلى طول فتراته، فبدؤوا برحلة البحث عن أديسون جديد ليخترع لهم بديل يعيد النور التي أطفأته الدولة بمحاولة منها لتوفير الفيول التي تعاني من نقص في كمياته، ووجدوا الحل في المولدات الكهربائية التي بيع منها نحو 500 ألف مولّدة حتى الآن منذ بداية الأزمة التي تعيشها سورية.

تمخّضت حكومتنا فولّدت فكرة التقنين

تزايد إقبال المواطنين على شراء المولّدات وزاد إنفاقهم على المازوت والبنزين اللازمين لتشغيلها، ما أدّى إلى خلق أزمة وقود جديدة كان الناس بغنى عنها، ويرى مراقبون أن وزارة الكهرباء لم تستفد من التقنين، حيث كانت الحجة منه توفير الوقود لعدم وجوده لأن الوقود وببساطة وجد طريقه للمولّدات وبشكل غير مسبوق.

تستهلك المولّدة الواحدة يومياً 5 ليترات بنزين تقريباً، بمعدّل ثلاثة أرباع الليتر في الساعة الواحدة على اعتبار أن مدة التقنين يومياً 6 ساعات بالمتوسط، وقد بيّنت دراسة أجرتها الاقتصادي أن هناك 500 ألف مولّدة طرحت في السوق سعرها تقريباً 5 مليارات ليرة (سعر الواحدة 10 آلاف ليرة تقريباً وسطياً وبالحد الأدنى)، وبذلك يكون السوريون قد استهلكوا بفعل استخدام المولدات الكهربائية 2.5 مليون ليتر بنزين يومياً، و75 مليون لتر شهرياً، وعلى اعتبار سعر ليتر البنزين 50 ليرة سورية يكونوا قد أنفقوا على البنزين نحو 3.750 مليار ليرة سورية شهرياً، أي أن السوريين وبسبب التقنين دفعوا نحو 8.750 مليار ليرة (ثمن المولّدات + ثمن البنزين لشهر واحد فقط).

التاجر هو المستفيد الأول من التقنين

ومع إعلان وزارة الكهرباء عن استمرارها بتقنين الكهرباء ونيتها على زيادته، زاد الإقبال على شراء مولدات الكهرباء بشكل كبير ما أدّى إلى ارتفاع أسعارها بين يوم وآخر، ليكون بائع المولدات المستفيد الأول من تواصل التقنين اليومي.

وأوضح أحد بائعي مولّدات الكهرباء في ساحة المرجة بدمشق أن مبيعاته ارتفعت كثيراً مقارنة بالفترات السابقة، وحول ارتفاع الأسعار مايقارب الـ 100% لبعض الأنواع، أكّد أن ارتفاع الأسعار سببه المصدّر وليس التجار ولا الباعة، أي أن الباعة ليسوا هم المستفيدين الوحيدين من التقنين!

كما بيّن أن عملية البيع مرتبطة بساعات تقنين الكهرباء، فمنذ شهر تقريباً وصلت المبيعات إلى أعلى مستوياتها بسبب طيلة ساعات التقنين والتي كانت تصل في بعض المناطق إلى 15 ساعة محدداً مستوى بيع المولّدات ذات الاستعمال المنزلي من 700 – 2000 شمعة ما يقارب العشرين مولداً كهربائياً شهرياً، بينما في الأيام التي سبقت بدء التقنين لم يكن يباع أكثر من مولد أو اثنين على الأكثر، موضّحاً أن الزبائن موزعون على جميع الشرائح (المنزلي والتجاري والصناعي)، لكن الأكثر إقبالاً هو المنزلي لذلك فإن أغلب المولّدات المباعة هي ذات الاستطاعة العادية.

الكفالة غائبة وكلمة التاجر هي البديل

الغريب في الأمر أنه على الرغم من عدم وجود كفالة للمولّدات والأعطال الكثيرة والمتكررة فيها والذي أكّدته شكاوي عدد كبير ممن اشتروا مولّدات وخسروها نهائياً منذ العشر ساعات الأولى لتشغيلها، وإذا كان المشتري محظوظاً يستطيع إصلاحها بمبالغ عالية وبشكل متكرر، ومع ذلك فما زال الإقبال عليها كبيراً ويتزايد في كل يوم.

حيث قال أحد المواطنين ممن اشتروا مولّدات: “عندما اشتريت المولدة استقبلني التاجر بكلمة “اشتريها على كفالتي”، ولكنها عندما تعطلت بعد أقل من ثلاثة أيام أرجعتها إلى التاجر حينها برر سوء كفالته بقوله إن المولّدة التي تخرج من المحل لسنا مسؤولين عنها”.

وعن أسباب الأعطال المتكررة بالمولدات يوضح مهندس الميكانيك الدكتور محمد حسن أن المولّدات التي استوردت إلى سورية في أزمة الكهرباء معظمها من منشأ صيني، والصين تتعامل مع زبائنها بكل أنحاء العالم على أساس ما يطلبونه من حيث الجودة والنوعية، مؤكّداً أن تاجر المولدات السوري وبما أن الربح الأعظمي هو هدفه الأساسي، يطلب من الصين أن تصنع مولدات كهربائية ذات جودة منخفضة ليكون سعر شرائها منخفض، ولكنها لا تباع على هذا الأساس في سورية بل بالعكس يضاعف سعرها مستغلاً أزمة الكهرباء التي تجبر المواطنين على شراء المولدات بالأسعار التي يفرضها التاجر عليهم.

كما أوضح حسن أن أحد طرق التوفير في صناعة المولدات التي يتبعها المصنعون هي صناعة ملفات المولدات الكهربائية من الألمنيوم بدل النحاس، لأن سعر الألمنيوم في الأسواق العالمية أرخص بكثير لكن تجارنا يبيعونها بسعر المولدات الملفوفة بالنحاس، وعند توظيف هذه المادة في المولدات تقل قدرة المولدة وكذلك عمرها الافتراضي.

من جهة أخرى أوضح حسن أن مولدات الكهرباء بالأصل تسمّى (مولدات احتياطية) أي أنها صنعت لتنتج الكهرباء في وقت انقطاعها في البلدان بالوضع العادي “مرة أو مرتين على الأكثر” أي ساعة أو ساعتين في السنة، لكن الآن تستخدم هذه “المولدات الاحتياطية” كمولدات دائمة وذلك لأنها تستعمل يومياً ولمدة لا تقل عن 9 ساعات إذا لم تكن أكثر، وهي لم تصنع لتحمّل هذه المدة، تنجم عن الاستعمال الدائم أعطالاً مستمرة حتى الوصول إلى الموت النهائي بسرعة هائلة وخسران ثمن المولّدة.

مصروفها يساوي راتب موظفين

وأوضح أحد الخبراء أن تكاليف ومصروف المولّدات غير متناسب مع دخل المواطنين السوريين، فالمولّدة ذات الاستطاعة المتوسطة تحتاج إلى لتر بنزين كل ساعتي تشغيل، أي 50 ليرة في ساعتين، وبالتالي فإن المنزل العادي يحتاج إلى 300 ليرة يومياً على أقل تقدير أي 9000 ليرة سورية شهرياً، وهذا لا يتناسب حتى مع الأسر الميسورة.

وأوضح أحد التجار الذي اضطر إلى تركيب مولدة في محله أن مصروف المولدة عالٍ جداً قياساً بمصروف الكهرباء من الطاقة، فكل ساعة كهرباء من المولدة تحتاج إلى لتر وقود أي ما يقارب الـ 25 ليرة، بينما كل كيلو واط ساعي من الكهرباء التجاري يكلّف 8 ليرات، وبالتالي فإن أهم سبب دفعني لرفع أسعاري هو لتغطية نفقات المولدة.

وأضاف التاجر: اضطررت إلى الاستغناء عن عاملين بالمحل لأن مصروف المولّدة يساوي راتبهما، وبالتالي استغنيت عن العمال لأنه من غير الممكن في هذه الظروف الاستغناء عن المولدة.

الحاجة أم الاختراع

ولكن يبدو أن المولّدات لم تكن الخيار الأمثل للجميع نظراً لارتفاع أسعارها وعدم قدرة غالبية المواطنين على تحمل أعبائها، ولذلك انتشرت في الأسواق بضاعة جديدة تناسب ذوي الدخل المحدود وهي عبارة عن لمبات إنارة (led)، وتعتمد فكرتها على أخذ التغذية الكهربائية من خطوط الهاتف أثناء انقطاع التيار الكهربائي (علماً أن التيار الكهربائي في الخطوط الهاتفية عبارة عن 50 فولطاً)، وقد تنجح هذه الفكرة إذا كانت قليلة الاستخدام، ولكن إذا انتشرت فقد تؤدي إلى إعطاب الشرائح الإلكترونية في المقاسم ما ينتج عنه أضرار فادحة، علماً أنه في المناطق التي تعاني من انقطاع كهرباء لمدة طويلة فإن هذه الطريقة كانت هي الوسيلة الوحيدة لشحن الهواتف الخلوية.

وحتى ميسوري الحال بحثوا أيضاً عن بديل للمولدات نظراً للضجة الناتجة عنها وكذلك التلوث الكبير، حيث درج في الأشهر الأخيرة لدى العديد من الناس استخدام بطاريات السيارات لتوليد الكهرباء عوضاً عن المولدات، وهي كافية لتشغيل تلفزيون ولمبتي توفير فقط، وسيئاتها أنها قد تفور إن تركت تعمل لفترة طويلة فهي تعمل فقط لمدة 4 ساعات ثم تحتاج إلى شحن، وأشار إلى أن البطاريات تلاقي إقبالاً كبيراً من الناس الذين يفضلونها على المولدات المرتفعة الثمن وذات الصوت المزعج من جهة إضافة لكثرة أعطالها من جهة أخرى.

ويلاحظ وجود نوعين من الشواحن التي تغذي بطاريات السيارات، نوع صيني يستخدم مبدأ تحويل الجهد من 12 إلى 220 عن طريق لوحات إلكترونية وهي سريعة العطب، ولا يكفلها المحل الذي يبيعها لمجرد أن تخرج من الباب، وهناك نوع آخر استخدم سابقاً في لبنان (الذي عنده الخبرة الأكبر بانقطاع التيار) ويعتمد على آلية المحوّلات وهذه تعيش فترة أطول ولها صيانة وضمان.

ومن الجدير بالذكر أن هناك بطاريات محلية الصنع أرخص ولكنها لا تدوم فيها الشحن إلا ساعتين بينما البطاريات الأجنبية (بسبب عدم التبخر) فإن الشحن فيها يدوم 4 ساعات.

ضجيجها يفوق قدرة تحمل الإنسان

لم تقتصر سلبيات المولّدات وأضرارها على المواطن، إنما كان للبيئة النصيب الأكبر من أخطارها من حيث الضوضاء والعوادم ومخلّفات هذه المولّدات.

وحول التلوث الناجم عن هذه المولّدات أوضح الخبير البيئي موفق شيخ علي أن الانبعاثات الغازية الناتجة عن مولّدات الكهرباء تتراوح بين غازات الكربون والكبريت والنيتروجين والمعادن الثقيلة، وذلك تبعاً لنوعية الوقود المستخدم ومدى كفاءة الاحتراق في المولّدة، مبيّناً أن توليد كل واحد كيلو واط ساعي يؤدي لانباعاثات غازية تتفاوت في نوعيتها وكميتها حسب نوع الوقود.

وبيّن شيخ علي أن الوقود المستخدم في تشغيل هذه المولدات يحتوي على مادة الرصاص الأمر الذي يؤثر سلباً على الجهازين العصبي والتناسلي، إضافة إلى أن الدراسات العلمية أكّدت علاقة الرصاص بالكثير من الأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم، فضلاً عن تأثيراته الخطيرة على الأطفال والمرضى الذين يعانون من نقص الحديد، كما أنه يؤثر سلباً على النباتات التي يتناولها الإنسان، وبالتالي ينتقل الضرر إليه، كما أن الأدخنة المنبعثة من المولدات أصبحت معلماً من معالم التربة والهواء، والتي زادت من معاناة مرضى الأمراض الصدرية.

أما عن التلوث الضوضائي التي تسبّبه الأعداد الكبيرة للمولّدات فإنه من الهام الإشارة إلى أن المولدات الكهربائية تسبب حالة إزعاج بالغة، تصل إلى 90 ديسبلاً (وحدة قياس ضجيج)، أي ما يفوق قدرة الإنسان الطبيعي على تحمله، فالشخص يمكنه تحمل 60 ديسبلاً فقط.

وبالنسبة إلى الدراسات العلمية، فإن الحد الحرج للصوت عند الإنسان 85 ديسبلاً، وعندها يحدث ضرر سمعي، أي أن الإنسان مع كل مولّد كهربائي واحد يعمل يتعرض لما يقارب 30 ديسبلاً.

رهام محمد ـ الاقتصادي

 

Print Friendly

التعليقات مغلقة